هل الترند يوجّه سلوك المجتمع؟.. أستاذ اجتماع
أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية، أن ملاحظة تكرار حديث الناس فجأة عن نفس الموضوع أو مشاركة نفس الفيديو ليست مصادفة، بل هي نتيجة لهيمنة ما يُعرف بالترند، الذي أصبح يحدد المزاج العام للمجتمع ويجذب الأفراد ليكونوا جزءًا منه، موضحًا أن ثقافة البحث عن الترند باتت ظاهرة اجتماعية رقمية مؤثرة تستحق التوقف عندها لفهم تأثيرها على الأفراد والمجتمع، ومخاطرها وكيفية التعامل معها بوعي.
وأوضح خلال حلقة برنامج "ناس تك"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن الترند هو ظاهرة اجتماعية رقمية تظهر عندما تنتشر فكرة أو محتوى أو سلوك بسرعة بين عدد كبير من الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، حيث يميل الأفراد بطبيعتهم إلى تقليد ما هو شائع، وهو ما يفسر سرعة انتشار الأفكار والسلوكيات بين الجمهور، مشيرًا إلى أن الترند ليس كله سلبي، فقد يكون إيجابيًا ينشر الوعي أو المعلومات المفيدة، وقد يكون سلبيًا يسبب ضجة دون قيمة حقيقية، بل أحيانًا يهدم أكثر مما يبني.
وأضاف أن الترند في جوهره تفاعل بين النفس البشرية والتقنيات الرقمية، وانتشاره السريع لا يعني أنه مجرد ظاهرة على السوشيال ميديا، بل سلوك اجتماعي يدفع الأفراد لملاحقة ما يتحدث عنه الجميع، لافتًا إلى أن أي شخص قد يتحول إلى ترند في أي لحظة بسبب كاميرا هاتف أو كاميرا موجودة في مكان عام، ما يجعل الظاهرة أكثر اتساعًا وتأثيرًا في الحياة اليومية.
وأشار إلى أن الترند قد يكون مفيدًا إذا نشر الوعي أو شجع على سلوك إيجابي، مثل حملات إنسانية أو مجتمعية، لكنه قد يكون مجرد محتوى ترفيهي بلا فائدة، أو ضجة تستهلك الوقت والطاقة دون مردود حقيقي، موضحًا أن متابعة الترند بشكل مفرط قد تولد ضغطًا نفسيًا لدى الأفراد، وتجعلهم يشعرون دائمًا بالتأخر إذا لم يشاركوا، كما تدفعهم إلى المقارنة المستمرة مع الآخرين على المنصات الرقمية، فضلًا عن دورها في انتشار الأخبار الكاذبة أو المضللة وإثارة القلق، خاصة لدى الشباب.
وتابع أن الترند لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالًا للاستثمار، حيث تستغله الشركات والماركات والإعلانات والمؤثرون لتوسيع جمهورهم بسرعة، لافتًا إلى أن بعض المحتويات المصطنعة أو المبالغ فيها تُقدم فقط من أجل تحقيق المشاهدات، مثل تمثيل مواقف اجتماعية أو أسرية بهدف الانتشار، وهو ما قد يحقق مكاسب محدودة على حساب قيم المجتمع وهويته وثوابته وعاداته وتقاليده.
وشدد على أن الاعتماد الكامل على الترند يؤدي إلى فقدان الأصالة والمصداقية، ويؤثر على الهوية الثقافية والتراث، لأن المحتوى بلا وعي ينعكس في صورة سلبية على المجتمع، مؤكدًا أن الترند ليس عدوًا في ذاته، لكنه يحتاج إلى عقل واعٍ في التعامل معه، من خلال طرح تساؤلات مثل: هل هذا المحتوى مفيد أم مجرد ضجة؟، واختيار ما يضيف قيمة حقيقية بدلًا من متابعة كل ما هو شائع.
ولفت الى أن حماية النفس من وهم الترند تبدأ بتحديد وقت استخدام وسائل التواصل، ومتابعة المحتوى الهادف، والتفاعل بوعي من خلال المشاركة برأي ورسالة لا بمجرد التقليد، لأن التركيز على المحتوى المفيد يقلل التوتر ويعزز الشعور بالإنجاز، مؤكدًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المشاهدات أو المتابعين، بل بتأثيره الواعي في المجتمع وقدرته على استخدام الترند بشكل إيجابي وسط زحام المعلومات وضجيج المنصات الرقمية.





