الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
ثقافة

مؤتمر شعر العامية: جدل الشفاهية والكتابة وشهادات إبداعية تبحث عن جوهر الشعر

السبت 31/يناير/2026 - 06:40 م
معرض القاهرة الدولي
معرض القاهرة الدولي للكتاب

شهدت الجلسة الثالثة من مؤتمر شعر العامية المصرية، التي ترأسها الدكتور سيد ضيف الله، والمنعقدة بقاعة المؤتمرات ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، نقاشًا فكريًا ثريًا حول إشكالية الكتابة بالعامية وحدودها الفاصلة عن الأدب الشعبي، إلى جانب شهادات إبداعية كشفت عن مسارات شخصية وجمالية لتجارب شعرية بارزة.

وأدار الحوار خلال الجلسة الشاعر أمل سالم، الذي نجح في تنظيم النقاش وفتح مساحات تفاعلية بين المتحدثين والجمهور، مقدمًا مداخلات لافتة أسهمت في تعميق الأسئلة المطروحة حول إشكاليات شعر العامية، والعلاقة بين الشفاهية والكتابة، ودور الشاعر في اللحظة الراهنة.

وفي ورقته البحثية، تناول الشاعر والباحث مدحت منير العلاقة الإشكالية بين الأدب الشعبي والكتابة بالعامية المصرية، مؤكدًا أن الخلط بين المجالين يمثل ظلمًا مزدوجًا، سواء للثقافة الشعبية أو للكتابة الحديثة بالعامية. وأوضح أن استخدام العامية لا يعني بالضرورة الانتماء إلى الأدب الشعبي، مشددًا على أن الأدب الشعبي فعل جماعي شفاهي، تنتجه الجماعة الشعبية داخل سياقها الثقافي، ويظل نصه مفتوحًا وقابلًا للتغيير تبعًا للأداء والتلقي.

وأشار منير إلى أن النص الشعبي يحقق اكتماله في لحظة التفاعل المباشر بين المبدع وجماعته، على عكس النص المكتوب الذي ينتمي إلى القيم الكتابية الحديثة ويعبّر عن رؤية ذات فردية، حتى وإن انحاز إلى هموم الجماعة. ولفت إلى أن الثقافة العربية ما زالت تعيش، بدرجات متفاوتة، في إطار شفاهي تهيمن فيه الأذن على العين، وهو ما ينعكس على تلقي الشعر عمومًا وشعر العامية على وجه الخصوص.

وأكد أن أزمة شعر العامية لا تنفصل عن أزمة أوسع تتعلق بالتعليم وبالوعي الثقافي السائد، داعيًا إلى تجاوز اليقينيات الجاهزة، وإلى نصوص شعرية تطرح الأسئلة بدل تقديم إجابات نهائية، وتصنع إيقاعها الخاص بدل الارتهان لإيقاعات موروثة، معتبرًا أن الشعر الحقيقي هو القادر على فتح أفق إنساني وجمالي جديد لكل من الكاتب والقارئ.

من جانبه، قدّم الشاعر عبده المصري شهادة إبداعية مطولة استعرض فيها محطات تشكّل وعيه الشعري، بدءًا من طفولته وعلاقته المبكرة بالقراءة والمجلات المصورة، مرورًا بتجارب الحرب والتهجير، وما تركته من صور وندوب في الذاكرة، وصولًا إلى اكتشافه للسينما والمسرح والمكتبات بوصفها روافد أساسية لتكوينه الإبداعي.

وتوقّف عبده المصري عند علاقته بالمؤسسات الثقافية ونوادي الأدب، واحتكاكه بأجيال مختلفة من الشعراء والمبدعين، معتبرًا أن رحلته مع الشعر كانت بحثًا دائمًا عن الصوت الخاص، لا عن الشهرة أو التصفيق. واختتم شهادته بتساؤلات مفتوحة حول معنى الشعر، وما الذي يستحق البقاء في ذاكرة الإبداع، وهل ما كُتب يمكن اعتباره شعرًا حقيقيًا.

وفي شهادته الإبداعية، شدد الشاعر أمين حداد على أن الشعر لا يُقاس بالتصنيفات الشكلية، رافضًا الفصل بين شعر العامية والفصحى وقصيدة النثر، ومؤكدًا أن جوهر الشعر واحد مهما اختلفت لغاته وأشكاله. واعتبر أن الكتابة الشعرية فعل مقاومة وبحث مستمر عن الدهشة والصدق، وأن الموسيقى تظل العنصر الحاسم في أي نص يسعى لأن يكون شعرًا.

وأوضح حداد أن تجربته تشكّلت عبر تفاعل مفتوح مع التراث العربي، والأغنية الشعبية، وتجارب الحداثة الشعرية، إلى جانب شهادات ودعم من شعراء كبار، مؤكدًا أن الأجيال الجديدة لم تدخل في قطيعة مع من سبقوها، بل أعادت قراءة تجاربهم وانتقاء ما هو حي وقابل للاستمرار. وخلص إلى أن ما يبقى في النهاية هو الشعر الصادق القادر على تجاوز اللحظة والعيش في الذاكرة.