الدين العام في مصر.. قراءة اقتصادية في المفهوم والإدارة قبل الأرقام
يشهد ملف الدين العام في مصر خلال الفترة الأخيرة نقاشًا واسعًا، اتسم في كثير من الأحيان بحدة الجدل وتضارب التفسيرات، خاصة مع التركيز المكثف على نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، وطرح أفكار متباينة تتعلق بمبادلة الأصول بالديون، أو بيع الديون مقابل استثمارات، أو التحذير من مخاطر التفريط في أصول الدولة. غير أن هذا الجدل، رغم مشروعيته، يعاني من اختزال مخلّ لطبيعة القضية، عبر التعامل مع الدين باعتباره رقمًا جامدًا أو خطرًا مطلقًا، دون التعمق في جوهر المسألة الاقتصادية، وهو كيفية إدارة الدين ووظيفته داخل المنظومة الاقتصادية الكلية.
من منظور اقتصادي علمي، لا يُعد الدين العام في حد ذاته مؤشرًا قاطعًا على الخطر أو الفشل، إذ تُظهر التجارب الدولية بوضوح أن دولًا عديدة تتعايش مع مستويات دين مرتفعة للغاية دون أن تعاني من أزمات مالية أو فقدان للاستقرار. فاليابان، على سبيل المثال، تجاوزت نسبة الدين العام لديها حاجز 230% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما سجلت اليونان بعد أزمتها الشهيرة مستويات تقارب 147%، في حين تصل هذه النسبة في سنغافورة إلى أكثر من 170%. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن التعامل معها يختلف جذريًا من دولة إلى أخرى، تبعًا لكيفية إدارة الدين، وهيكلته، وعلاقته بالنمو الاقتصادي.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين مفهوم حجم الدين ومفهوم استدامة الدين. فالدين يصبح عبئًا حقيقيًا عندما ترتفع تكلفة خدمته بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على النمو، أو عندما يعتمد بشكل مفرط على الاقتراض قصير الأجل أو العملات الأجنبية دون وجود موارد مستدامة للسداد. أما في الحالات التي يُدار فيها الدين ضمن إطار مالي منضبط، وتُوظف حصيلته في استثمارات إنتاجية ترفع من كفاءة الاقتصاد وتوسع قاعدته التصديرية، فإنه يتحول إلى أداة تمويل وتنمية، لا إلى عبء خانق.
وتُجسد تجربة سنغافورة هذا المنطق بوضوح، إذ تستخدم الدولة إصدارات الدين كأداة لتطوير أسواق رأس المال وليس لتغطية عجز مزمن في الموازنة، مستندة إلى احتياطيات ضخمة وفوائض مالية مستقرة، مع فصل صارم بين إدارة الأصول العامة وصناعة القرار السياسي. وعلى النقيض، تكشف التجربة اليونانية كيف يمكن أن يؤدي غياب الرؤية واللجوء إلى بيع الأصول تحت ضغط الأزمة إلى نتائج اقتصادية واجتماعية مكلفة، رغم تنفيذ برامج خصخصة واسعة.
أما في نماذج أخرى مثل تشيلي، فقد ارتبطت إدارة الدين العام بإطار مالي مؤسسي صارم وصناديق سيادية امتصت الصدمات الدورية، وهو ما سمح للدولة بالحفاظ على استقرارها المالي حتى في فترات تراجع أسعار السلع العالمية. وفي المقابل، تقدم دولة الإمارات نموذجًا مختلفًا يقوم على خفض الدين إلى مستويات آمنة لا تتجاوز نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، مع دمج إدارة الدين ضمن مؤسسات واضحة الحوكمة، وتحويل الأصول العامة من ملكيات جامدة إلى شراكات استثمارية ذكية تحافظ على السيطرة الاستراتيجية للدولة وتخفف العبء عن المالية العامة.
في ضوء هذه التجارب، يتضح أن الجدل الدائر في مصر حول مبادلة الأصول بالديون غالبًا ما يُطرح بصيغة ثنائية مبسطة: بيع أو عدم بيع. بينما السؤال الاقتصادي الأعمق يجب أن يكون: كيف تُدار الأصول العامة؟ وهل تحقق أقصى عائد اقتصادي واجتماعي ممكن؟ فالدولة التي تمتلك أصولًا كبيرة غير مستغلة أو ضعيفة العائد، في ظل أعباء دين مرتفعة، لا تكون بالضرورة في وضع أفضل من دولة تعيد هيكلة ميزانيتها السيادية عبر إعادة تدوير هذه الأصول ضمن شراكات مدروسة تقلل المخاطر وتدعم الاستدامة المالية.
وبالنظر إلى الحالة المصرية، تشير البيانات إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي شهدت تراجعًا نسبيًا خلال الفترة الأخيرة، بعد أن سجلت مستويات أعلى في السنوات السابقة، وهو ما يعكس جهودًا واضحة لضبط المسار المالي. غير أن التحدي الحقيقي لا يزال يتمثل في هيكلة الدين وتكلفة خدمته، وليس في وجوده من عدمه. ومن ثم، فإن الانتقال من منطق الجدل إلى منطق الإدارة يستلزم حزمة من السياسات العملية القابلة للتطبيق.
أولى هذه السياسات تتمثل في تحسين هيكل الدين العام عبر إطالة متوسط آجال الاستحقاق، وتقليل الاعتماد على الأدوات قصيرة الأجل، وتنويع مصادر التمويل بما يخفف الضغوط على الموازنة العامة. كما يبرز دور إعادة التمويل عند تحسن الأوضاع المالية وأسعار الفائدة، بما يسهم في خفض تكلفة خدمة الدين تدريجيًا.
ثانيًا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية لإدارة الدين، عبر أطر واضحة وشفافة تفصل بين اتخاذ القرار السياسي والإدارة الفنية، على غرار ما طبقته دول عديدة نجحت في احتواء مخاطر المديونية. فالثقة في إدارة الدين لا تقل أهمية عن أرقامه في حد ذاتها.
ثالثًا، يصبح من الضروري ربط الاقتراض باستثمارات إنتاجية واضحة العائد، لا سيما في القطاعات القادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية، مثل الصناعة التحويلية، والطاقة، واللوجستيات، والبنية التحتية الداعمة للتصدير. فكل وحدة دين لا تُسهم في رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد تمثل عبئًا مستقبليًا، بينما يتحول الدين المنتج إلى رافعة للنمو.
أما فيما يتعلق بمبادلة الأصول بالديون، فإن المقاربة الأكثر اتزانًا تكمن في إعادة هيكلة الأصول غير المستغلة أو ضعيفة العائد من خلال شراكات استثمارية طويلة الأجل، تتيح تحويل جزء من الالتزامات إلى حقوق ملكية أو تدفقات نقدية مستقرة، دون المساس بالسيطرة الاستراتيجية للدولة. فالقضية هنا ليست بيع الأصول، بل تعظيم كفاءتها الاقتصادية.
خلاصة القول، إن ملف الدين العام في مصر لا يحتمل اختزالًا أو تبسيطًا مخلًا، ولا يُدار بمنطق التخويف أو التهوين. فالدين ليس رقمًا فقط، بل سياسة، وأداة، واختبار لقدرة الدولة على إدارة ميزانيتها السيادية بكفاءة. وبين من يركزون على الأرقام المجردة، ومن يرفضون أي نقاش حول إعادة الهيكلة، تظل الحاجة قائمة إلى مقاربة تحليلية هادئة، تضع المفهوم والإدارة قبل الأرقام، وتتعامل مع الدين باعتباره جزءًا من معادلة اقتصادية أشمل، لا يمكن فهمها أو معالجتها إلا في إطار رؤية متكاملة وطويلة الأجل


