باحث بمرصد الأزهر: الخطاب المتطرف يقوم دائمًا على تصوير الآخر باعتباره عدوًا أو تهديدًا
أكّد الدكتور خالد الشاذلي، الباحث بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن الجدل المتجدد كل عام حول تهنئة الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد لا يعكس خلافًا فقهيًا بسيطًا بقدر ما يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بفهم طبيعة العلاقة مع الآخر المختلف، مشيرًا إلى أن هذا الجدل كثيرًا ما يتحول إلى حالة من الاستقطاب وكأن الهوية الدينية لا تُعرَّف إلا عبر الشد والجذب والصدام.
وأوضح الباحث بمرصد الأزهر، خلال حلقة "فكر"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن الإسلام فرّق بوضوح بين الثوابت العقدية التي لا تقبل المساومة أو التنازل، وبين التعامل الإنساني والاجتماعي القائم على البر والعدل وحسن المعاملة، مؤكدًا أن تهنئة غير المسلم في مناسبة اجتماعية لا تعني التنازل عن الدين أو الذوبان في عقيدة الآخر، بل تعكس وعيًا ونضجًا حضاريًا، فَقوة الهوية لا تظهر في القطيعة وإنما في القدرة على التعامل الإنساني الراقي.
وبيّن الدكتور خالد الشاذلي أن من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات هو كيفية التعامل مع الآخر المختلف، سواء كان الاختلاف دينيًا أو عرقيًا أو ثقافيًا أو فكريًا، لافتًا إلى أن الخطاب المتطرف يقوم دائمًا على تصوير الآخر باعتباره عدوًا أو تهديدًا، وأن أي علاقة معه لا تكون إلا بالعداء أو الغلبة، في حين أن الإسلام يقدم رؤية حضارية مختلفة تقوم على اعتبار الآخر مرآة نرى من خلالها أخلاقنا وقيمنا، ووسيلة لبناء مجتمع واعٍ ومستقر.
وشدد الباحث بمرصد الأزهر على أن الإسلام ليس دين عزلة ولا دين حروب دائمة، بل هو دين علاقات وأخلاق وتعاون، مستشهدًا بقوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين»، موضحًا أن هذه الآية ترسم قاعدة واضحة للتعامل مع غير المسلمين تقوم على البر والعدل وحسن الخلق طالما لم يكن هناك اعتداء أو عداء.
وأضاف أن الكلمة الطيبة والتهنئة والمعاملة المحترمة لا تمثل ضعفًا في الدين ولا تنازلًا عن العقيدة، بل هي التزام صريح بتوجيه قرآني وفهم واعٍ لمعنى أن يكون الآخر مرآة لأخلاقنا لا سببًا دائمًا للصدام والخصومة، مؤكدًا أن التعامل مع المختلفين يكشف لنا من منظور خارجي مدى التزامنا الحقيقي بالقيم التي نرفع شعاراتها، ويمنحنا قدرة أكبر على النقد الذاتي وتصحيح الانحرافات الفكرية والسلوكية.
وأشار الدكتور خالد الشاذلي إلى أن السيرة النبوية تقدم نماذج واضحة في هذا السياق، من أبرزها تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع وفد نصارى نجران، حيث استقبلهم في المدينة، وتحاور معهم، وأذن لهم بأداء عبادتهم في مسجده، مؤكدًا أن هذا الموقف لم يكن ضعفًا ولا تفريطًا في الثوابت، بل تجسيدًا للقوة الأخلاقية والحضارية التي تحمي المجتمع من خطاب الكراهية، وتجعل الاختلاف بابًا للتعارف لا للصدام.





