نتنياهو يعلن إزالة «التهديد القادم من غزة».. رسائل سياسية وعسكرية قبل لقاء ترامب
في توقيت بالغ الحساسية، وقبل ساعات من توجهه إلى واشنطن لعقد مباحثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "التهديد القادم من قطاع غزة قد أزيل"، في واحدة من أكثر تصريحاته وضوحًا منذ اندلاع الحرب، معتبرًا أن الجيش الإسرائيلي نجح في تحقيق الجزء الأكبر من الأهداف العسكرية التي وضعتها حكومته منذ السابع من أكتوبر.
عمليات عسكرية
وجاءت تصريحات نتنياهو بينما تستمر القوات الإسرائيلية في تنفيذ عمليات عسكرية داخل مناطق مختلفة من قطاع غزة، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة ووسطاء إقليميون للتوصل إلى اتفاق جديد يشمل وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى ووضع إطار للمرحلة التالية من الحرب.
وتشير هذه التصريحات إلى محاولة الحكومة الإسرائيلية تقديم صورة مفادها أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة، بعدما كانت تركز خلال الأشهر الماضية على تدمير القدرات العسكرية لحركة حماس.
وقال نتنياهو إن إسرائيل وضعت منذ بداية الحرب عدة أهداف رئيسية، من بينها إزالة التهديد العسكري القادم من قطاع غزة، وإضعاف البنية العسكرية لحركة حماس بصورة تمنع تكرار هجمات مشابهة لتلك التي وقعت في السابع من أكتوبر 2023. وأكد أن هذا الهدف تحقق إلى حد كبير، مضيفًا في الوقت نفسه أن إنهاء حكم حماس المدني داخل القطاع لم يكتمل بعد، وأن العمليات الإسرائيلية ستستمر حتى الوصول إلى ما وصفه بـ"الأهداف النهائية للحرب".
ويحاول نتنياهو من خلال هذه التصريحات توجيه أكثر من رسالة في وقت واحد؛ الأولى إلى الداخل الإسرائيلي الذي يطالب منذ أشهر بتحديد نتائج الحرب بصورة واضحة، والثانية إلى الوسطاء الدوليين الذين يعملون على بلورة اتفاق لوقف إطلاق النار، والثالثة إلى الإدارة الأمريكية قبل اللقاء المرتقب مع ترامب، في ظل استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين الجانبين حول مستقبل قطاع غزة والملفات الإقليمية الأخرى.
ورغم حديثه عن إزالة التهديد العسكري، فإن نتنياهو شدد على أن إسرائيل لن توافق على أي ترتيبات خاصة باليوم التالي للحرب قبل استكمال مجموعة من الشروط الأمنية، وفي مقدمتها نزع السلاح داخل قطاع غزة ومنع إعادة بناء الأنفاق أو تصنيع الصواريخ، مؤكدًا أن إعادة إعمار القطاع لن تبدأ من وجهة نظر حكومته إلا بعد تحقيق هذه الشروط بالكامل. ويعد هذا الموقف امتدادًا لسياسة أعلنتها الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، وتكررها في مختلف المحافل السياسية والدبلوماسية.
وتعكس تصريحات نتنياهو أيضًا تحولًا في الخطاب الإسرائيلي من الحديث عن "القضاء الكامل على حماس" إلى التركيز على إزالة التهديد العسكري المباشر، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على أن الحكومة تحاول تقديم إنجازات عسكرية يمكن البناء عليها سياسيًا، في وقت تواجه فيه ضغوطًا داخلية بسبب استمرار احتجاز الأسرى الإسرائيليين، إضافة إلى الضغوط الخارجية المرتبطة بالأوضاع الإنسانية داخل قطاع غزة واستمرار العمليات العسكرية.
وفي المقابل، لا تزال حركة حماس تؤكد أنها تحتفظ بقدرات قتالية وتواصل إدارة المواجهة مع القوات الإسرائيلية في عدد من المناطق، بينما تشير التطورات الميدانية إلى استمرار الاشتباكات والغارات الجوية والعمليات البرية، وهو ما يعكس أن إعلان إسرائيل إزالة "التهديد العسكري" لا يعني انتهاء الحرب أو توقف العمليات على الأرض، وإنما يعبر عن تقييم الحكومة الإسرائيلية للمرحلة الحالية من الصراع.
كما تؤكد مصادر دبلوماسية أن المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار لا تزال تواجه قضايا معقدة، أبرزها ملف الأسرى، ومستقبل إدارة القطاع، والضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل، إضافة إلى ترتيبات إعادة الإعمار ودور الوسطاء في تنفيذ أي اتفاق محتمل.
من التصريحات إلى الميدان.. ماذا تعني رسالة نتنياهو الآن؟
لا يمكن فصل تصريحات بنيامين نتنياهو عن التطورات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة خلال الأيام الأخيرة، إذ جاءت قبل ساعات من زيارته إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تتصدر فيه الحرب على غزة، والملف الإيراني، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط جدول أعمال الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يسعى إلى دخول هذه المباحثات وهو يحمل رواية مفادها أن إسرائيل نجحت في تحقيق أهدافها العسكرية الأساسية داخل القطاع، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على صياغة ترتيبات سياسية وأمنية تمنع عودة حماس إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
وفي تصريحاته، أكد نتنياهو أن إعادة إعمار قطاع غزة لن تبدأ قبل تفكيك البنية العسكرية ونزع السلاح، معتبراً أن أي أموال أو مشروعات لإعادة الإعمار يجب ألا تسمح بإعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية. كما قال إن سكان القطاع "أحرار في البقاء أو المغادرة"، وهو تصريح أثار جدلاً واسعاً في ظل استمرار الحرب والنقاش الدولي حول مستقبل سكان غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وتأتي هذه المواقف بينما يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته داخل القطاع، حيث تستمر الغارات الجوية وعمليات القصف والتحركات البرية في مناطق شمال ووسط وجنوب غزة، في وقت تؤكد فيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أنها ما زالت تستهدف ما تصفه بالبنية التحتية العسكرية لحركة حماس، رغم حديث نتنياهو عن إزالة "التهديد القادم من غزة".
ويشير ذلك إلى أن الحكومة الإسرائيلية تميز بين تقليص القدرات العسكرية للحركة وبين إنهاء وجودها بشكل كامل، وهو هدف لم تعلن تل أبيب حتى الآن أنها حققته بصورة نهائية.
وتتزامن هذه التطورات مع مفاوضات غير مباشرة بوساطة مصر وقطر والولايات المتحدة، تهدف إلى التوصل لاتفاق يشمل وقفاً لإطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين، إضافة إلى إدخال المساعدات الإنسانية ووضع آلية لإدارة المرحلة التالية داخل قطاع غزة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن عدداً من الملفات لا يزال محل خلاف، أبرزها الضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل، ومستقبل إدارة القطاع، وآلية إعادة الإعمار، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق نهائي مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة.
وعلى الصعيد الداخلي، يواجه نتنياهو ضغوطاً متزايدة من عائلات الأسرى المحتجزين في غزة، التي تطالب حكومته بإعطاء الأولوية لإبرام صفقة تضمن عودتهم، بينما يواصل شركاؤه في الائتلاف اليميني التشديد على ضرورة عدم إنهاء الحرب قبل تحقيق جميع الأهداف المعلنة.
هذا التوازن بين الضغوط السياسية الداخلية ومتطلبات التفاوض الخارجي يفسر، بحسب محللين، طبيعة الخطاب الذي تبناه نتنياهو، إذ حاول إظهار أن إسرائيل حققت إنجازاً عسكرياً، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الحرب لم تنتهِ بعد وأن الجيش سيواصل عملياته حتى استكمال ما تعتبره الحكومة أهدافاً استراتيجية.
ويرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن إعلان إزالة "التهديد القادم من غزة" يحمل أيضاً رسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن إسرائيل باتت ترى نفسها في موقع يسمح لها بالانتقال من مرحلة العمليات العسكرية واسعة النطاق إلى مرحلة فرض شروطها السياسية والأمنية بشأن مستقبل القطاع، وفي مقدمتها نزع السلاح ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل.
إلا أن هذا الطرح يواجه رفضاً فلسطينياً، كما أن عدداً من الأطراف الدولية يربط إعادة الإعمار بإيجاد تسوية سياسية شاملة تضمن الاستقرار وتمنع تجدد الصراع.
وفي المقابل، تؤكد الفصائل الفلسطينية أن استمرار العمليات العسكرية والاشتباكات الميدانية يثبت أن الحرب لم تحقق أهدافها بالكامل، بينما تتواصل التحركات الدبلوماسية في محاولة لتقريب وجهات النظر قبل أي اتفاق محتمل.
وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن إزالة التهديد العسكري، والرواية الفلسطينية التي تؤكد استمرار المواجهة، تبقى نتائج المفاوضات الجارية والتفاهمات التي قد تخرج من لقاء نتنياهو وترامب من أبرز العوامل التي ستحدد مسار الحرب خلال المرحلة المقبلة، سواء باتجاه تهدئة طويلة الأمد أو استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مختلفة.





