الثلاثاء 19 مايو 2026 الموافق 02 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
اقتصاد وبورصة

"الترجمان" يكشف كواليس تحقيقات توظيف الأموال: "الريان" كان ذكياً وعشوائية الإدارة كتبت النهاية الحتمية لشركاته

الثلاثاء 19/مايو/2026 - 07:11 م
 الدكتور سامح الترجمان
الدكتور سامح الترجمان

استعاد الدكتور سامح الترجمان، رئيس البورصة المصرية الأسبق، ومحقق نيابة الأموال العامة العليا الأسبق، الخفايا والكواليس الدقيقة لظاهرة شركات توظيف الأموال التي هزت الرأي العام المصري والعربي في الفترة من 1987 إلى 1988، وفي مقدمتها قضيتي "الريان" و"أشرف السعد".

 

وأوضح الترجمان في حواره التلفزيوني ببرنامج "قصة نجاح"، على قناة أزهري، أن تلك الحقبة شهدت طفرة وتنامياً ملحوظاً لتيار الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية عقب اغتيال الرئيس السادات وتصاعد الموجات الدينية، وهو المناخ الاجتماعي والعاطفي الذي نجح أحمد الريان بذكائه الشديد في استغلاله لصياغة مفهوم "المرابحة" وجذب مدخرات الملايين بعوائد مرتفعة للغاية تفوق البنوك الرسمية، فيما يُعرف علمياً بـ"بونزي سكيم" الذي يعتمد على تغذية أرباح المودعين القدامى من أموال المشتركين الجدد.


وأضاف عضو فريق التحقيق التاريخي، أن التحقيقات الموسعة التي جرت تحت قيادة المستشار حسن الشربيني، رئيس نيابة الشؤون المالية آنذاك، كشفت عن وجود مشروعات فعلية على الأرض للريان كالمزارع ومحلات اللحوم، مستدركاً أن تلك المشروعات كانت تدار بعشوائية تامة وتفتقر لأدنى معايير "الحوكمة" والترتيب الورقي المنضبط، ولم تكن قادرة بأي حال من الأحوال على توليد تلك الأرباح الضخمة المسددة للمواطنين.

 

وأشار الترجمان إلى أن القاعدة الذهبية التي اعتمدت عليها النيابة لتفكيك طلاسم هذه الإمبراطوريات المالية هي قاعدة "تتبع المال" (Follow the money) لكشف الدورة المالية وتحديد مصائر المليارات المفقودة، مؤكداً أن تلك المنظومة كانت تحمل بذور فنائها بداخلها، وكان مستحيلاً لها أن تستمر أو تكمل مسيرتها لأكثر من عقد من الزمان بأي شكل من الأشكال.


ولفت الدكتور سامح الترجمان إلى أن الظاهرة الغريبة والمحزنة التي استوقفته خلال التحقيقات، هي أن ضحايا تلك الشركات لم يكونوا من البسطاء فقط، بل ضمت قوائم المجني عليهم نخب المجتمع من أطباء ومهندسين ورجال بنوك محترفين، والذين انساقوا خلف عاطفتهم الدينية ورغبتهم في الثراء السريع بعدما بهرهم الظهور الإعلاني المكثف لرجال الأعمال مع كبار مسؤولي الدولة.

 

وأوضح أن هذه التجربة الثرية قادته لبناء علاقة وطيدة ومتينة مع الهيئة العامة لسوق المال كخبير فني للنيابة، وتحديداً مع رئيسها الأسبق محمد فج النور، والاستاذ عبد الحميد ابراهيم رئيس قطاع الشركات حينها، مما جعله يتساءل مبكراً عن ضرورة إصلاح الهيكل البنيوي للاقتصاد المصري والتحول نحو تنظيم سوق الأوراق المالية بشكل مؤسسي متطور.


واختتم رئيس البورصة الأسبق حديثه مستعرضاً الفلسفة الإنسانية والقانونية الصارمة التي يجب أن يتحلى بها وكيل النيابة عند التعامل مع الرأي العام، مؤكداً أن النيابة العامة هي مدرسة الحياه الأولى التي تُعلم القاضي تجريد نفسه تماماً من الانحياز والتعاطف المسبق.

 

وأشار إلى أن الوصول للحقيقة داخل غرف التحقيق يتطلب قدرة فائقة على قراءة لغة الجسد وفهم المتهم، والأهم من ذلك هو "سماع الصمت" وملاحظة التوقفات في الإجابة، مشدداً على أن وظيفة المحقق الذكي تبدأ من طمأنة الشخص الجالس أمامه وإشعاره بأن العدالة المجردة هي الحاكمة، لانتزاع الخوف الكامن في قلوب الجميع سواء كان المتهم وزيراً أو غفيراً، وهي الخبرات النفسية العميقة التي صقلت شخصيته القيادية لاحقاً.