الخميس 16 أبريل 2026 الموافق 28 شوال 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
تحقيقات وتقارير

"معلومات الوزراء": التحول الطاقوي يعيد تشكيل خريطة الصناعة العالمية ويعزز دور الطاقة المتجددة في جذب الاستثمارات

الخميس 16/أبريل/2026 - 11:18 ص
دعم اتخاذ القرار
دعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً أشار خلاله إلى أن خريطة الصناعة العالمية تشهد تحولات متسارعة في السنوات الأخيرة، مدفوعةً بالتغيرات في أسواق الطاقة، وتصاعد الضغوط المناخية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية؛ فبعد عقود كان فيها انخفاض تكاليف العمالة أو القرب من الأسواق العالمية من العوامل الحاسمة في جذب الاستثمارات الصناعية وتحديد مواقع الإنتاج الصناعية، بدأت معايير جديدة تفرض نفسها وبقوة، في مقدمتها توافر الطاقة المتجددة منخفضة التكلفة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.

وفي هذا السياق، برز مفهوم "Powershoring" "إعادة توطين الصناعة وفقًا لمصادر الطاقة المتجددة" بوصفه أحد الاتجاهات الصاعدة في توطين الصناعة عالميًّا؛ حيث تسعى الشركات إلى نقل أو توسيع أنشطتها الصناعية في الدول التي تمتلك وفرة في مصادر الطاقة المتجددة، بما يضمن خفض تكاليف الإنتاج والامتثال للمعايير البيئية المتزايدة الصرامة. ومع تسارع التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، لم تعُد مواقع الصناعات تُحدَّد فقط بقربها من الأسواق أو العمالة الرخيصة، بل أصبح الوصول إلى طاقة نظيفة ومستقرة وبأسعار تنافسية عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل الجغرافيا الصناعية العالمية، وهو ما يفتح الباب أمام فرص جديدة لبعض الدول لتصبح مراكز صناعية مستقبلية في ظل هذا التحول.

لذلك أصبح من التوجهات العالمية في الوقت الراهن إعادة توطين أو نقل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، - مثل صناعات الحديد والصلب، والأسمنت، والأسمدة، والكيماويات، والألومنيوم، والهيدروجين، ومراكز البيانات-، إلى المناطق التي تتمتع بوفرة في مصادر الطاقة المتجددة، ففي ظل التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، لم يعُد التركيز على نقل الطاقة إلى مواقع الإنتاج الصناعي كما كان في الماضي، بل أصبح الاتجاه الحديث هو نقل الصناعات نفسها إلى أماكن توافر الطاقة النظيفة والرخيصة والوفيرة. ويتيح هذا النهج خفض تكاليف الطاقة والانبعاثات الكربونية في آنٍ واحد، كما يعزز القدرة التنافسية للصناعات في الأسواق العالمية، ويفتح في الوقت نفسه آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية في الدول والمناطق الغنية بموارد الطاقة المتجددة. وبذلك، يمثل مفهوم Powershoring أحد النماذج الحديثة التي تربط بين التحول الطاقوي، والتنافسية الصناعية، والتنمية المستدامة.

ويُعَد قطاع الصناعة أكبر مستهلك للطاقة على مستوى العالم؛ حيث يستحوذ على ما يقرب من 40% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة عالميًّا. وقد شهد الطلب على الطاقة في القطاع الصناعي نموًّا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ أسهم بما يقرب من ثلثي الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة منذ عام 2019. ويعكس ذلك الدور المحوري الذي تلعبه الأنشطة الصناعية في تشكيل أنماط الطلب العالمي على الطاقة.

وتهيمن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة على الجزء الأكبر من هذا الطلب؛ حيث تمثل نحو 75% من استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي؛ وتعتمد هذه الصناعات بدرجة كبيرة على عمليات إنتاج تتطلب درجات حرارة مرتفعة، غالبًا ما تتجاوز 500 درجة مئوية، وهو ما يجعل الطاقة عنصرًا أساسيًّا في تكاليف الإنتاج والقدرة التنافسية لهذه الصناعات. وفي ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات الكربونية، تزداد أهمية توافر مصادر طاقة منخفضة الكربون وبأسعار تنافسية كعامل مؤثر في قرارات الشركات بشأن مواقع الإنتاج الصناعي. وتستمر الصين في تسجيل أكبر طلب صناعي على الطاقة في العالم؛ حيث تستحوذ على نحو ثلثي الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة في القطاع الصناعي منذ عام 2019؛ حيث نما الطلب الصناعي لديها بمعدل 3% سنويًّا.

وفي الوقت نفسه، كانت الهند مسؤولة عن نحو خُمس الزيادة في الطلب الصناعي العالمي منذ عام 2019، كما تُعَد من بين الدول التي تسجل أسرع معدلات النمو في الطلب الصناعي على الطاقة؛ إذ حافظت على متوسط زيادة يبلغ نحو 5% سنويًّا خلال هذا العقد.

ومع اتجاه الاقتصادات إلى إزالة الكربون، تسعى الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى الانتقال بالقرب من أفضل مصادر الطاقة المتجددة، لأن الطاقة المتجددة يصعب نقلها مقارنة بالوقود الأحفوري، وفي المستقبل، ستصبح موارد الطاقة المتجددة في أي منطقة عاملًا حاسمًا في تحديد ميزتها النسبية في الصناعات كثيفة الطاقة، ويُطلق على هذا الاتجاه مصطلح «توطين الصناعة وفق مصادر الطاقة Powershoring".    

واستعرض التحليل العوامل الداعمة لتبني المجتمع الدولي سياسة "توطين الصناعة وفقًا لمصادر الطاقة Powershoring" والتي من أبرزها:

-التوجه الدولي نحو خفض الانبعاثات الكربونية العالمية: حيث تشهد السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الجهود الدولية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية، للحد من تداعيات التغير المناخي. وتشير بيانات تقرير فجوة الانبعاثات العالمي لعام 2025 (Emission Gap Report)، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، إلى أن التعهدات المناخية الحالية للدول، حتى في حال تنفيذها بالكامل، قد تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بنحو 2.3 إلى 2.5 درجة مئوية خلال هذا القرن، وهو ما يتجاوز الهدف الذي نصَّ عليه اتفاق باريس للمناخ والمتمثل في إبقاء الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين، مع السعي إلى الحد منه عند 1.5 درجة مئوية.

كما يتطلب تحقيق هذه الأهداف خفض الانبعاثات العالمية بشكل كبير؛ إذ يحتاج العالم إلى تقليص الانبعاثات بنحو 35% بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات عام 2019 للحد من الاحترار عند درجتين مئويتين، بينما يتطلب تحقيق الهدف الأكثر طموحًا وهو 1.5 درجة مئوية خفض الانبعاثات بنحو 55% خلال الفترة نفسها. وتعكس هذه التقديرات حجم التحول المطلوب في أنماط الإنتاج واستهلاك الطاقة عالميًّا، خاصة في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، الأمر الذي يدفع العديد من الدول والشركات إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج الصناعي والبحث عن مواقع توفر طاقة منخفضة الكربون وبتكاليف تنافسية، وهو ما يعزز الاتجاه نحو نماذج جديدة في توطين الصناعة مثل Powershoring.

-زيادة القدرات الإنتاجية للطاقة المتجددة عالميًّا: شهد العالم في عام 2024 زيادة غير مسبوقة في قدرات الطاقة المتجددة الإنتاجية، مع استمرار الزخم العالمي نحو زيادة حصة هذه المصادر في توليد الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. فقد تمت إضافة نحو 582 جيجاوات جديدة، بنسبة زيادة 19.8% مقارنة بعام 2023، ليصل إجمالي القدرة العالمية المركبة للطاقة المتجددة إلى 4,443 جيجاوات. وقد تصدرت الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV) هذه الإضافات بنسبة 77.8% من الإجمالي، تليها طاقة الرياح.

وعلى المستوى الإقليمي، كانت آسيا الرائدة في هذا المجال، مضيفة أكثر من 413.2 جيجاوات من القدرة الإنتاجية المركبة، بنسبة زيادة 24.9% عن عام 2023، ليصل إجمالي القدرة الإنتاجية فيها إلى 2,374 جيجاوات. وبلغت مساهمة الصين وحدها 61.2% من إضافات قدرات الطاقة الشمسية العالمية (276.8 جيجاوات) و69.4% من التركيبات الجديدة لطاقة الرياح (79.4 جيجاوات)؛ مما يعكس الدور المركزي لها في دفع التحول نحو الطاقة المتجددة عالميًا.

-انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة: شهدت تقنيات الطاقة المتجددة منذ عام 2010 انخفاضًا مذهلًا في التكاليف، بفضل تحسين التكنولوجيا، وتنافسية سلاسل التوريد، وتحقيق وفورات الحجم؛ حيث أصبحت 91% من مشروعات الطاقة المتجددة الجديدة في 2024 أقل تكلفة من أي بديل يعتمد على الوقود الأحفوري. وبالنسبة للطاقة الشمسية الكهروضوئية، استقرت التكلفة العالمية المتوسطة للإنتاج عند 0.043 دولار لكل كيلووات/ساعة، أي أرخص بنسبة 41% من البدائل التقليدية، بينما انخفضت التكلفة في الصين إلى 0.033 دولار/ك.س بفضل التصنيع المحلي المتكامل، وسجلت الهند تكلفة 0.038 دولار/ك.س. أما طاقة الرياح على اليابسة، فقد عززت ميزتها التنافسية أيضًا؛ حيث بلغ متوسط التكلفة العالمي 0.034 دولار/ك.س في 2024، أي أقل بنسبة 53% من توليد الكهرباء بالوقود الأحفوري، وسجلت الصين والبرازيل أدنى التكاليف بفضل وفرة الموارد والتصنيع المحلي وكفاءة تنفيذ المشروعات.

وفي هذا الصدد، تبرز بعض الصناعات الداعمة للتوجه نحو إعادة توطين الصناعات بالقرب من مصادر الطاقة المتجددة، مثل بطاريات تخزين الطاقة التي أصبحت عنصرًا أساسيًّا لتمكين الانتقال إلى الطاقة المتجددة ودمج مصادر الطاقة المتغيرة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الشبكات الكهربائية. وقد شهدت تكاليف تخزين البطاريات انخفاضًا مذهلًا بنسبة 93% بين عامي 2010 و2024، من 2571 دولارًا أمريكيًا لكل كيلووات ساعة إلى 192 دولارًا لكل كيلووات ساعة؛ مما يجعلها خيارًا أكثر جدوى اقتصاديًّا للمصانع التي تسعى إلى تقليل الاعتماد على الشبكات التقليدية وتقليل انبعاثاتها الكربونية. وتوفر هذه التقنيات الجزء الأكبر من المرونة قصيرة المدى في الشبكات، كما تدعم التحول الكهربائي وربط القطاعات المختلفة بالكهرباء، مساهِمةً بذلك في خفض الانبعاثات. وتستحوذ الصين على أكثر من 75% من إنتاج البطاريات عالميًّا بأسعار تقل بنحو 20-30% عن الأسواق الأوروبية وأمريكا الشمالية، مدفوعة بوفورات الحجم الكبير والتكامل الرأسي.

وعلى الرغم من النمو السريع في قدرة الطاقة المتجددة الإنتاجية وانخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود الأحفوري، فإن مستويات الانتشار الحالية لا تزال أقل من المطلوب لتحقيق هدف مضاعفة القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة 3 مرات بحلول عام 2030، وهو الهدف الذي أُعلن في التقييم العالمي الأول المعروف باسم "إجماع الإمارات" خلالCOP28؛ ففي عام 2024، بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة (4443 جيجاوات)، إلا أن الوصول إلى الهدف البالغ 11000 جيجاوات أو أكثر بحلول 2030 يتطلب إضافات سنوية تتجاوز 1,000 جيجاوات في النصف الأخير من العقد. ويشير ذلك إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب ليس فقط تسريع نشر الطاقة المتجددة، بل أيضًا استثمارات ضخمة في البنية التحتية الداعمة، لا سيما توسيع الشبكات الكهربائية وتطوير حلول تخزين الطاقة.

وأوضح مركز المعلومات في ختام التحليل أن فكرة توطين الصناعات بالقرب من مصادر الطاقة ليست جديدة؛ فصناعة الألومنيوم وغيرها من الصناعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء غالبًا ما تُقام بجوار السدود الكهرومائية للاستفادة من الكهرباء الرخيصة، ولكن برز هذا التوجه عالميًا في الآونة الأخيرة نتيجة للتغيرات المناخية. ومع التحول نحو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، سيزداد هذا الاتجاه أهمية، ما يجعل مواقع مصادر الطاقة المتجددة عاملًا حاسمًا في تنافسية الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

ومع ذلك، تبقى المعرفة الصناعية والخبرة المحلية ضرورية، فحتى الصناعات الأكثر استهلاكًا للطاقة تحتاج إلى قوة عاملة ماهرة، وقدرات هندسية، وبنية صناعية داعمة، لكن القدرة التنافسية لم تعُد تعتمد على المعرفة وحدها، بل على مزيج من الطاقة والمعرفة.

لذلك، على صانعي السياسات التخطيط لـتوطين الصناعة تبعًا لمصادر الطاقة المتجددة، واختيار المزيج الصناعي الأمثل؛ فالمناطق الغنية بالطاقة لكنها محدودة الخبرة، يمكنها جذب استثمارات صناعية وتطوير قدراتها، والمناطق ذات المعرفة الصناعية العميقة لكنها فقيرة الطاقة، تحتاج إلى استراتيجيات ذكية لتعظيم قيمة صناعاتها، والمناطق التي تجمع بين الاثنين يُمكنها استهداف الصناعات الأكثر تعقيدًا وكثافة في استهلاك الطاقة.