مضيق هرمز واختبار القوة: هل كسر الحصار الأمريكي ميلاداً لعالم متعدد الأقطاب؟
لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد في الثاني عشر من أبريل 2026 مجرد انكسارٍ لبروتوكول دبلوماسي، بل كان "الزلزال الجيوسياسي" الذي أطاح بآخر قشور الصبر الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، اليوم، ونحن نرقب إعلان "الحصار البحري" الشامل، لا نشاهد صراعاً إقليمياً عابراً، بل نشهد "المواجهة الكبرى" التي تُعيد هندسة النظام الدولي؛ حيث يلتقي "التنين" الصيني و"القيصر" الروسي عند مضيق هرمز لكسر احتكار القطب الواحد، في مشهد يختلط فيه ضجيج البوارج بأنين الاقتصاد العالمي.
إن لغة الأرقام في هرمز تتحدث بلسانٍ من لهب؛ فهذا الممر الذي يضيق ممره الملاحي ليصبح مجرد ثلاثة كيلومترات، يتحكم في مصير واحد وعشرين مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل خُمس نبض الطاقة في عروق العالم. واشنطن، بإعلانها الحصار، تراهن على تجفيف أربعين مليار دولار من العائدات الإيرانية السنوية، لكنها في الواقع تضع يدها على "صمام الأمان" للاقتصاد الآسيوي، حيث يمر ستون بالمئة من احتياجات الصين النفطية عبر هذا الزقاق المائي الضيق. وهنا يبرز جوهر الصدام: هل تسمح واشنطن للصين بأن تكمل "طريق الحرير" البحري، أم ستستخدم "جغرافيا الممرات" لكسر صعود التنين؟
وتتبدى ملامح "المواجهة الكبرى" في هذا الصراع من خلال تباينٍ حاد في أدوات القوة وأهدافها الاستراتيجية؛ فبينما تحشد الولايات المتحدة تفوقها التكنولوجي الكاسح عبر الأسطول الخامس، مدعومةً بمنظومات الدفاع الليزري وأعين الأقمار الصناعية التي لا تنام، تراهن طهران وحلفاؤها في "المحور الأوراسي" على استراتيجية القوة غير المتناظرة؛ حيث تتحول الزوارق السريعة والألغام الذكية والمسيرات الانتحارية إلى أدوات لإنهاك التفوق الأمريكي في مياه الخليج الضحلة. إن الهدف الأمريكي لا يتوقف عند حدود البرنامج النووي، بل يسعى لتفكيك "المزايا الجيوسياسية" لإيران وإنهاء دورها الإقليمي قسرياً، وهو ما يقابله استماتة من التحالف (الروسي-الصيني-الإيراني) لتحويل هرمز إلى "مستنقع استنزاف" يثبت عجز الإرادة الأمريكية المنفردة.
وفي كواليس هذا المشهد المتفجر، يقف "القيصر" الروسي كلاعبٍ مرجحٍ يتقن اللعب على حبال الأزمات. بالنسبة لموسكو، فإن اشتعال هرمز ليس مجرد أزمة، بل هو "منحة استراتيجية"؛ فقفزة أسعار النفط المتوقعة لتتجاوز مائة وخمسين دولاراً للبرميل ستضخ مليارات الدولارات في خزينة الكرملين، مما يحول النفط الروسي من سلعة محاصرة إلى "طوق نجاة" عالمي. وبينما تنشغل واشنطن باستنزاف قواها في مياه الخليج الضحلة، تجد روسيا المساحة الكافية لتعزيز نفوذها، وتزويد حلفائها بأنظمة الحرب الإلكترونية التي تُعمي أعين التكنولوجيا الأمريكية، ليصبح هرمز بذلك "الثقب الأسود" الذي يبتلع الهيمنة الأحادية.
إن المواجهة القادمة لن تكون بين جيوش نظامية فحسب، بل هي صدام بين "عقيدة الحصار" الأمريكية و"عقيدة الاتصال" الأوراسية.
إنها مقامرة كبرى؛ فإما أن تنجح واشنطن في إغلاق بوابة الشرق، أو أن تنكسر هيبتها عند صخور "مسندم"، لتعلن رسمياً انقضاء زمن القطب الواحد وميلاد عالمٍ متعدد الأقطاب لا تُكتب قواعده بالدولار وحده.
ويبقى التساؤل الاستراتيجي الذي يفرض نفسه فوق أمواج الخليج المضطربة: هل أعدت واشنطن خطة بديلة لليوم الذي سيتوقف فيه تدفق الطاقة العالمي، أم أنها تراهن على انتحار الخصوم جوعاً قبل أن ينتحر العالم احتراقاً بأسعار النفط التي لا ترحم؟
محلل سياسي وخبير في الشؤون الاستراتيجية





