مسجد قايتباي بالفيوم.. سجل معماري حي يروي تاريخ المماليك ونقوشهم الخالدة
مسجد قايتباي بالفيوم، المعروف أيضًا باسم مسجد خوند أصلباي، يُعد من أبرز الشواهد المعمارية على براعة العمارة الإسلامية في العصر المملوكي، حيث يجمع بين التصميم الدقيق والزخارف الفنية الفريدة والمكانة التاريخية العالية.
تاريخ المسجد
تشير النقوش التأسيسية على مدخل المسجد إلى أن الإنشاء تم بأمر من السلطانة خوند أصلباي، زوجة السلطان الأشرف قايتباي، في عهد نجلها السلطان الناصر محمد بن قايتباي بين 901–904 هـ/1495–1498 م. وتحمل واجهته الرئيسية نصوصًا قرآنية مثل: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر"، بالإضافة إلى الرنك السلطاني الذي يذكر اسم السلطان الناصر محمد، ما يؤكد ارتباط المسجد بالسلطة المملوكية وقت إنشائه.
الموقع وحدود المبنى
يقع المسجد على الطرف الشمالي الغربي لمدينة الفيوم، مطلًا على بحر يوسف، ويحيط به من الجهة الجنوبية الغربية شارع سوق الصوفي، ومن الشمال الغربي الطريق الرئيسي على الضفة الغربية لبحر يوسف، بينما تحيط به من الجانبين الآخرين مساكن متعددة.
الجزء الشمالي الغربي من المسجد كان في الأصل مبنيًا فوق بحر يوسف على قنطرة ذات فتحتين، إلا أن هذا الجزء انهار عام 1887، ما أدى إلى تقليص مساحة المسجد إلى حدود الأرض الحالية.
الوصف المعماري الخارجي
يعكس التصميم الخارجي ثراء العمارة المملوكية:
- الواجهة الشمالية الغربية تتكون من ثلاث دخلات غائرة مزخرفة بالمقرنصات وشبابيك خشبية على هيئة مصبعات.
- الواجهة الشرقية بطول 19.88 متر وتضم أربع دخلات مماثلة.
- المدخل الرئيسي بالواجهة الجنوبية الغربية بارز، بعتب معشق وعقد عاتق مزخرف بزخارف نباتية، وشباك حديدي صغير ولوحات رخامية تحتوي على نصوص تاريخية.
التخطيط الداخلي والعمارة
المسجد كان يتبع تخطيط المساجد الجامعة، لكنه أصبح حاليًا صحنًا مستطيلًا بطول 16.60 متر وعرض 12.50 متر، محاطًا بأروقة تحتوي على عقود خشبية موزعة بانتظام، وأرضية الصحن منخفضة ومبلطة بالحجر الجيري. ويضم المسجد صهريجًا للمياه يعكس الاستخدام اليومي القديم للمكان.
الديكور الداخلي والعناصر الفنية
- المحراب نصف دائري يحدد اتجاه القبلة.
- دكة المبلغ مصنوعة من الخشب الخرط لترديد صوت الإمام.
- سقف المسجد كان خشبيًا مزخرفًا بنصوص كتابية وزخارف هندسية.
- المنبر خشبي مطعم بعاج الفيل المستورد من الصومال، ويُعد نموذجًا فريدًا للصناعات الخشبية المملوكية.
البعد الروحي والشهادة الأدبية
ذكر الشيخ طه حسين أن للمسجد سحرًا خاصًا يترك أثرًا نفسيًا على زائريه، ويحتوي على بئر يُنسب لسيدنا يوسف عليه السلام، ما يضيف بعدًا روحانيًا وتاريخيًا عميقًا للمكان.
القيمة المعمارية والتاريخية
مسجد قايتباي يمثل نموذجًا متكاملاً للعمارة الإسلامية المملوكية، حيث يجمع بين دقة التخطيط، روعة الزخارف، وأهمية الموقع التاريخي، ويعكس ارتباطه بالسلطة الحاكمة والحياة الدينية في العصر المملوكي. يظل المسجد تحفة معمارية وتاريخية فريدة تستحق الحفظ والتقدير كجزء من التراث الحضاري المصري.