لماذا كان النبي يكثر من زيارة أم سليم؟.. الدكتور أحمد الرخ يوضح قصتها وصبرها وبشارتها بالجنة
أكد الدكتور أحمد الرخ، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، أن السيرة النبوية زاخرة بنماذج عظيمة من الصحابيات الجليلات اللاتي قدمن أروع صور الإيمان والصبر، ومن بينهن الصحابية الجليلة أم سليم بنت ملحان الأنصارية رضي الله عنها، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من زيارتها بل وربما بات في بيتها أحيانًا، لما لها من مكانة خاصة وما مرت به من ابتلاءات عظيمة في حياتها.
وأوضح الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف خلال حلقة برنامج «مبشرون»، المذاع على قناة الناس، اليوم الأحد، أن أم سليم رضي الله عنها هي أم الصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمها الغميصاء ويقال الرميصاء، وقد أسلمت رضي الله عنها وكانت من السابقات إلى الإسلام، حتى إنها بدأت تربي ولدها أنسًا منذ صغره على التوحيد، فكانت تلقنه الشهادة وتقول له: يا أنس قل لا إله إلا الله، قل أشهد أن محمدًا رسول الله، فكان يرددها كما علمته أمه.
وأشار الدكتور أحمد الرخ إلى أن زوجها الأول مالك بن النضر والد أنس قُتل، ثم تقدم لخطبتها بعد ذلك أبو طلحة الأنصاري وكان حينها مشركًا، لكنها رفضت الزواج منه حتى يسلم، فقالت له: إني قد آمنت، فإن تابعتني تزوجتك، فقبل أبو طلحة الإسلام، فكان مهرها إسلامه، وهو ما اعتبره العلماء من أعظم المهور، حتى قال ثابت البناني: ما بلغنا أن مهرًا كان أعظم من مهر أم سليم، فقد رضيت بالإسلام صداقًا.
وأضاف أن أم سليم رضي الله عنها لم تكن فقط مثالًا في الإيمان، بل شاركت أيضًا في ميادين الجهاد، فقد شهدت غزوتي أحد وحنين، وكانت تحمل خنجرًا تدافع به عن نفسها، وقد رآها أبو طلحة يوم حنين تحمل هذا الخنجر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن دنا مني مشرك بقرت بطنه، في إشارة إلى شجاعتها وثباتها.
وبيّن الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من زيارتها جبرًا لخاطرها، إذ قُتل أخوها حرام بن ملحان رضي الله عنه في حادثة بئر معونة، وكان من الشهداء الذين ضحوا في سبيل الله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يرحمها ويجبر خاطرها، حتى سُئل عن سبب دخوله بيتها دون غيره، فقال: «إني أرحمها».
ولفت إلى أن أم سليم رضي الله عنها نالت بشارة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فقد قال أنس رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي»، فإذا هي الغميصاء بنت ملحان، وفي رواية أخرى أنه رأى في الجنة الرميصاء امرأة أبي طلحة، وهي بشارة عظيمة تدل على مكانتها وسبقها في الطاعة.
وتابع الدكتور أحمد الرخ أن من أعظم مواقف الصبر في حياتها ما حدث حين توفي ابنها الصغير من أبي طلحة، وكان أبو طلحة يحبه حبًا شديدًا، فلما خرج للصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم توفي الغلام، فتهيأت أم سليم بالأمر وأوصت من حولها ألا يخبروا أبا طلحة حتى تخبره هي، فلما عاد قدمت له الطعام وتعشى، ثم أخبرته في رفق وحكمة قائلة: أرأيت لو أن قومًا أعطوا قومًا عارية ثم طلبوها منهم، أكان لهم أن يمنعوهم؟ قال لا، فقالت: فإن الله قد استرد عاريته، فاحتسب ابنك واصبر.
وأوضح أن أبا طلحة رضي الله عنه استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ذهب في الصباح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لكما في ليلتكما»، فحملت بعد ذلك بعبد الله بن أبي طلحة، وقد كبر عبد الله وتزوج، وكان له سبعة أبناء كلهم حفظوا القرآن الكريم.
وأشار الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف إلى أن موقف أم سليم رضي الله عنها يبين كيف يتعامل المؤمن مع المصائب، فقد صبرت واحتسبت ولم تلطم خدًا ولم تشق جيبًا، وإنما واجهت البلاء بإيمان وتسليم لله سبحانه وتعالى، وهو ما يرسخ معنى الصبر الحقيقي الذي دعا إليه الإسلام.
وأكد على أن المؤمن إذا نزلت به المصائب فعليه أن يسترجع ويصبر ويُسلم الأمر لله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، داعيًا الله أن يبشرنا جميعًا بكل خير وأن يجعلنا من الصابرين المحتسبين.





