عمرو منير: العاشر من رمضان لحظة وعي وقرار أعادت لمصر حقها وهي صائمة
أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن العاشر من رمضان لم يكن يومًا عاديًا في تاريخ مصر، بل يومًا دخل تاريخ الوطن من أوسع أبوابه، حين قررت دولة كاملة أن تواجه وتسترد حقها بيديها وهي صائمة، موضحًا أن السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393 هجريًا، في تمام الساعة الثانية ظهرًا، شهد لحظة فارقة وقف فيها جنود مصريون صائمون عطشى مرهقون أمام خط بارليف، أحد أقوى التحصينات العسكرية في زمانه، بينما كان العالم يكاد يجزم بأن العبور مستحيل، لكن مصر كان لها رأي آخر.
وأشار خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، إلى أن الصورة التي التُقطت يوم 9 أكتوبر 1973، الموافق 13 رمضان، بعد تحرير القنطرة شرق بساعات قليلة، تُظهر جنودًا من الجيش الثاني بملامح عادية جدًا، تشبه أي شاب مصري قد تراه في طريقه إلى عمله أو منتظرًا وسيلة مواصلات، دون استعراض قوة أو ملامح مصطنعة، لكن هؤلاء الرجال فتحوا أول أبواب استعادة الأرض وأغلقوا صفحة ثقيلة حملتها البلاد سنوات طويلة، مؤكدًا أننا لا نعرف أسماءهم ولا مصائرهم بعد الحرب، لكننا نعرف أنهم من رجال الجيش الثاني الذين دخلوا القنطرة شرق وحرروها في أيام نار وعرق وتعب.
وأوضح أستاذ التاريخ والحضارة أن الابتسامة الهادئة على وجوههم كانت تخفي إرهاقًا شديدًا ووعيًا بأن ما هو قادم أصعب، لكن ما أُنجز لم يعد ممكنًا انتزاعه، مشيرًا إلى أن المعارك في القنطرة كانت عنيفة، وصلت أحيانًا إلى اشتباكات مباشرة بالسونكي والسلاح الأبيض عندما تنفد الذخيرة أو يتحول القتال إلى مواجهة وجها لوجه، وهو ما شكل صدمة حقيقية لكل من يفكر في معاداة مصر، لأن الجندي المصري لم يكن مدربًا على السلاح فقط، بل على القتال في أصعب الظروف والاستمرار حتى آخر نفس.
وأضاف أن رمضان في هذه اللحظة لم يكن مجرد تاريخ في التقويم، بل حالة كاملة، فالصيام لم يكن ضعفًا بل قوة داخلية، وضبطًا للنفس، وتركيزًا أعلى، وشعورًا بأن المقاتل يقف في معركة وهو خفيف من الدنيا، مسند ظهره إلى إيمانه بربه وبحقه في أرضه، مؤكدًا أن الجنود كانوا يدركون أنهم لا يحررون أرضًا فقط، بل يغلقون حسابًا مفتوحًا منذ سنوات طويلة، ولذلك لم تكن الحرب معركة سلاح فقط، بل معركة تنظيم وعقل وتخطيط وإرادة وصبر.
وأكد الدكتور عمرو منير، أن تاريخ مصر يُظهر أن هذا الوطن لم يقم يومًا على شخصيات خارقة، بل على أناس عاديين؛ فلاح، عامل، موظف، طالب، أو جندي يخدم ثم يعود لحياته، لكن وقت الشدة يعرفون كيف يؤدون المطلوب، جندي يعبر القناة تحت النيران، مهندس عسكري يهدم ساترًا ترابيًا، مقاتل يُصاب ويكمل، ووحدة كاملة صائمة تواصل القتال، مشددًا على أن أغلى ما في مصر ليس السلاح ولا المعدات ولا الخرائط، بل ناسها الذين بعد كل عثرة يعرفون كيف يقفون ويسندون بلدًا كاملة، موجّهًا التحية لكل جندي مصري حارب في العاشر من رمضان وكتب سطرًا حقيقيًا في تاريخ وطنه وهو صائم وصامد، مؤكدًا أن رمضان حكاية مصرية متجددة.





