الأربعاء 28 يناير 2026 الموافق 09 شعبان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
ثقافة

سيرة «أفلاطون الأدب العربي»..

أحمد لطفي السيد بين جامعة القاهرة والمؤسسات العلمية الكبرى

الأربعاء 28/يناير/2026 - 06:47 م
جامعة القاهرة
جامعة القاهرة

انطلقت الجلسة الأولى بقاعة المؤتمرات من مؤتمر «أحمد لطفي السيد في جامعة القاهرة والمؤسسات العلمية الكبرى» ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، وترأس الجلسة الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، الذي استهلها بالإشارة إلى أن المتحدث الرئيسي هو الدكتور حسين خالد، وزير التعليم العالي الأسبق.
وفي كلمته، أعرب الدكتور حسين خالد عن شكره لإدارة جامعة القاهرة والهيئة المصرية العامة للكتاب على دعوته للمشاركة في هذا الحدث الثقافي المهم، مؤكدًا أن وجوده في ندوة عن أحمد لطفي السيد داخل معرض الكتاب يمثل لحظة خاصة في مسيرته.
واستعاد خالد ذكرياته الأولى مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، مشيرًا إلى أنه زاره لأول مرة عام 1962 خلال دراسته بالثانوية العامة، في أول دورة للمعرض، ثم عاد إليه لاحقًا من موقع المسؤولية عندما تولى رئاسة معهد الأورام، حيث كان يرأس لجنة اختيار الكتب من المعرض لصالح المعهد.
وأضاف حسين خالد أنه لم يتخيل يومًا أن يجلس إلى جوار رئيس جامعة القاهرة في ندوة تتناول سيرة المفكر الكبير أحمد لطفي السيد، واصفًا اللحظة بأنها استثنائية.
وتناول الدكتور حسين خالد ملامح السيرة الفكرية والوطنية لأحمد لطفي السيد، مؤكدًا أنه كان أحد أبرز رموز النهضة الحديثة في مصر، حتى وصفه المفكر عباس العقاد بـ«أفلاطون الأدب العربي».
وأوضح حسين خالد أن الجلسة ترصد مسيرة لطفي السيد منذ نشأته وحتى وفاته، مرورًا بالمناصب التي تولاها وأثره في الحياة الفكرية والسياسية.
وأشار حسين خالد إلى أنه وُلد عام 1872 في قرية برقين بمحافظة الدقهلية، اولتحق بالكتّاب في سن مبكرة، حيث حفظ القرآن الكريم كاملًا، قبل أن ينتقل إلى التعليم النظامي، فالتحق بالمدرسة الخديوية، التي كانت من أهم المدارس الحديثة في ذلك الوقت.
وأظهر منذ صغره ميلًا واضحًا للقراءة والتفكير، وتأثر بالثقافة العربية والإسلامية، إلى جانب اطلاعه المبكر على الفلسفة اليونانية، وخاصة أفكار أرسطو، التي تركت أثرًا عميقًا في تكوينه الفكري،والتحق أحمد لطفي السيد بمدرسة الحقوق الخديوية، وتخرج فيها عام 1893، ليبدأ مسيرته المهنية في سلك النيابة العامة، غير أن ميوله الفكرية واستقلاليته في الرأي دفعته إلى الاستقالة عام 1905، مفضّلًا العمل العام والفكري على الوظيفة الحكومية.
وكان لطفي السيد من أوائل الداعين إلى الليبرالية السياسية، وحرية الفكر، واستقلال الوطن، وفي عام 1907 شارك في تأسيس حزب الأمة، وتولى رئاسته، كما رأس تحرير صحيفة «الجريدة»، التي تحولت إلى منبر فكري وسياسي للتنوير والدفاع عن الحقوق الوطنية.
وخلال هذه المرحلة، رسّخ مفاهيم جديدة في الخطاب السياسي المصري، داعيًا إلى الدولة المدنية، واحترام القانون، وحق الاختلاف، وربط النهضة بالعلم والتعليم.
ويُعد أحمد لطفي السيد المؤسس الحقيقي للجامعة المصرية الحديثة، حيث تولّى رئاسة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة لاحقًا) عام 1924، وكان أقدم رؤسائها.
وخلال رئاسته، دافع بقوة عن استقلال الجامعة وحرية البحث العلمي، ورفض تدخل السلطة في شؤونها الأكاديمية، مؤمنًا بأن الجامعة هي عقل الأمة وضميرها.
وأشاى إلى المناصب التي تولاها، وهي: رئيس الجامعة المصرية (جامعة القاهرة لاحقًا)، ورئيس مجمع اللغة العربية، ورئيس حزب الأمة، ورئيس تحرير صحيفة «الجريدة»، ووزير المعارف (التعليم)، ووزير الداخلية، وعضو مجلس الشيوخ، وأحد كبار المترجمين والمفكرين في عصره.
وتوفي أحمد لطفي السيد عام 1963، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والوطني، ترك خلالها أثرًا عميقًا في الحياة الثقافية والسياسية المصرية، وما زالت أفكاره حاضرة في قضايا الحرية والتعليم والهوية.
ومن جانبه ألقى د. مينا رمزي كلمته نيابة عن الدكتور أسامة طلعت، الذي تعذر حضوره لسفره خارج البلاد. 
وفي مستهل حديثه، نقل رمزي تحيات الدكتور أسامة طلعت، معربًا عن شكره لوزارة الثقافة وجامعة القاهرة على تنظيم هذه المبادرة الثقافية المهمة، التي تعكس وعيًا بقيمة الرموز الفكرية المصرية.
وأشار رمزي إلى أن الحديث عن أحمد لطفي السيد يستدعي معاني الخلود الإنساني، مستشهدًا بقول الله تعالى: «وما زالوا يتكلمون بعد موتهم»، وبالحديث الشريف الذي يؤكد أن العمل الصالح لا ينقطع بوفاة الإنسان، مؤكدًا أن أحمد لطفي السيد ينتمي إلى تلك النماذج التي لا يغيب حضورها برحيلها.
وتناول مينا رمزي دور دار الكتب المصرية بوصفها المكتبة الوطنية لمصر، والمسؤولة عن حفظ التراث الفكري والعلمي، مشيرًا إلى أنها تُعد أكبر مكتبة وطنية في الشرق الأوسط، وتحمل على عاتقها مهمة صون الذاكرة الثقافية المصرية للأجيال القادمة.
وارتبط اسم أحمد لطفي السيد بدار الكتب المصرية بوصفها مؤسسة ثقافية مركزية في مشروعه التنويري، حيث آمن بدورها في حماية التراث المكتوب وإتاحته للباحثين والجمهور، باعتبارها عقلًا معرفيًا للدولة الحديثة.
وخلال توليه المسؤولية داخل الدار، عمل على تطوير بنيتها المؤسسية، وربطها بالحركة العلمية والبحثية، بما يعزز مكانتها كمستودع وطني للمعرفة.
كما كان لأحمد لطفي السيد دور بارز في تحويل دار الكتب إلى فضاء حي للنقاش الفكري والعمل اللغوي، إذ شهدت الدار في عهده تأسيس نواة مجمع اللغة العربية، وتخصيص قاعة مستقلة له، في خطوة مبكرة هدفت إلى تقنين اللغة وتطويرها.، ولم يكن ذلك سوى امتداد لإيمانه بأن النهضة الثقافية تبدأ من الكتاب، وأن حماية التراث المكتوب شرط أساسي لبناء المستقبل.
ومن جانبه قال الدكتور محمود عبد الباري إن الجهود الحقيقية لتأسيس مجمع اللغة العربية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمسيرة أحمد لطفي السيد، مؤكدًا أن فكرة إنشاء مجمع لغوي في مصر ليست وليدة لحظة، بل تعود جذورها إلى عام 1892، حين بدأت الدعوات الأولى لإنشاء كيان علمي يُعنى باللغة العربية وتطويرها.
وأوضح عبد الباري أن الدور الفعلي لأحمد لطفي السيد برز حين تولّى دار الكتب المصرية، حيث بادر بتأسيس نواة مجمع اللغة العربية داخل الدار، وخصّص له قاعة مستقلة، في خطوة مؤسسية غير مسبوقة آنذاك، واختير شيخ الأزهر رئيسًا للمجمع، بينما تولّى أحمد لطفي السيد مهام الكاتب السرّي، وهو المنصب الذي يعادل حاليًا أمين سر المجمع، ما يعكس ثقته في العمل التنظيمي والعلمي للمؤسسة الوليدة.
وأضاف أن هذه التجربة لم تستمر سوى عامين، بسبب استقالة أحمد لطفي السيد من منصبه وانضمامه إلى الوفد برئاسة سعد زغلول، مؤكدًا أن لطفي السيد كان يؤمن بالحرية إيمانًا مطلقًا، حتى أنه كان يحتفظ باستقالته جاهزة دائمًا، رفضًا لأي ضغوط تمس استقلال قراره.
وأشار عبد الباري إلى أن أحمد لطفي السيد عاد لاحقًا إلى دار الكتب المصرية، وأعاد إحياء مشروع المجمع، لكنه انتقل بعدها لتولي منصب وزير المعارف، وهو المنصب الذي شغله لمدة 15 شهرًا فقط، وخلال هذه الفترة قدّم مذكرة مهمة إلى رئيس الوزراء طالب فيها بإنشاء مجمع رسمي للغة العربية، مؤكدًا أن نجاح الجامعة المصرية ارتبط بتحولها إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة، وهو المبدأ نفسه الذي سعى إلى تطبيقه على مجمع اللغة العربية.
وأضاف أن أحمد لطفي السيد ترك الوزارة، وعاد مرة أخرى إلى رئاسة الجامعة، قبل أن يصدر مرسوم ملكي بإنشاء مجمع اللغة العربية استجابة لطلبه، حيث تولّى رئاسته محمد توفيق رفعت باشا. 
ضوأوضح أن المجمع لم يشهد تطورًا كبيرًا في بداياته، حتى عاد أحمد لطفي السيد عضوًا فيه ضمن عشرة أعضاء بارزين، من بينهم طه حسين، ليبدأ معه طور جديد من العمل اللغوي المؤسسي.
وأكد عبد الباري أن أحمد لطفي السيد كان صاحب رؤية متقدمة لتطوير اللغة، حيث دعا إلى إنشاء معجم يعكس اللغة الحية التي تجري على ألسنة المزارعين والمثقفين والإعلاميين، وجمع هذه الألفاظ ودراسة دلالاتها ووضع معانٍ دقيقة لها، بما يربط اللغة بالواقع الاجتماعي والثقافي.
وأضاف أن لطفي السيد، حين تولّى رئاسة مجمع اللغة العربية، حرص على تحويل الأفكار والمقترحات إلى خطط تنفيذية، مشيرًا إلى أن معظم المبادرات التي طرحها آنذاك ما زالت قائمة حتى اليوم. وفي أول جلسة له رئيسًا للمجمع، كانت إحدى القضايا الأساسية التي أثيرت هي جمع المصطلحات الفنية والعلمية، وهو ما شكّل حجر الأساس لعمل المجمع في تعريب العلوم وتوحيد المصطلحات.
ولم ينظر أحمد لطفي السيد إلى مجمع اللغة العربية بوصفه هيئة لغوية تقليدية، بل رآه مؤسسة وطنية لا تقل أهمية عن الجامعة، قادرة على حماية الهوية الثقافية ومواكبة تطور العلوم والمعارف. وكان يؤمن بأن اللغة لا تحيا إلا بالاستخدام، وأن تطويرها يجب أن ينطلق من الواقع الاجتماعي، لا من القواعد الجامدة.
وقد ترك لطفي السيد بصمته الواضحة في مسار المجمع، سواء من خلال دفاعه عن استقلاله، أو بإرسائه منهجًا علميًا يقوم على الرصد، والتحليل، والتقنين، وهو المنهج الذي ما زال المجمع يعمل به حتى اليوم، ليظل شاهدًا على فكر رجل آمن بأن النهضة تبدأ بالكلمة، وأن اللغة هي العمود الفقري لأي مشروع حضاري.
ومن جانبه قال الدكتور أحمد رجب، نائب رئيس جامعة القاهرة، إن إطلاق وصف «أفلاطون اللغة العربية» على أحمد لطفي السيد ليس مبالغة، مؤكدًا أن قراءة كتاب واحد له قد تكفي الإنسان عمرًا كاملًا، بل تمنحه عمرًا فكريًا إضافيًا، في إشارة إلى عمق فكره واتساع رؤيته.
وأضاف رجب متسائلًا: كيف يمكن لشخص واحد أن يجمع بين وزارة المعارف ووزارة الداخلية، ورئاسة جامعة القاهرة، ورئاسة مجمع اللغة العربية؟ معتبرًا أن هذا الجمع لا يتحقق إلا لفيلسوف وعالم موسوعي استطاع أن يدمج بين علم الإدارة والدور المجتمعي، وأن يكون نموذجًا للعالم الإنسان، لا العالم المنعزل عن قضايا مجتمعه.
وأشار إلى أن أحمد لطفي السيد كان صاحب دور محوري في إنشاء الجامعة المصرية، التي قامت في بدايتها على التبرعات الشعبية، وكان هو القائد الحقيقي لهذه الجهود، واضعًا أسس مؤسسة علمية وطنية ما زالت منارة للعلم حتى اليوم.
وأكد نائب رئيس جامعة القاهرة أن القيمة الحقيقية لأي عالم تكمن في دوره المجتمعي، وفي قدرته على الجمع بين الإنسانية والعلم، وهو ما تجسّد بوضوح في مسيرة أحمد لطفي السيد، الذي رحل جسديًا لكنه ترك تراثًا فكريًا حيًا ما زال حاضرًا ومؤثرًا.
وتناول الدكتور أحمد رجب قضية الترجمة، مشيرًا إلى أن الحضارة المصرية القديمة تُعد من أقدم الحضارات الإنسانية، وقد تُرجمت علومها ومعارفها إلى لغات العالم، مؤكدًا أن الترجمة تمثل روح الحياة للعلوم، وأن نقل المعرفة من وإلى العربية هو في جوهره إعادة إحياء لعلومنا وتجديد لوعينا.
وأضاف أن إدخال بعض مفردات العامية المصرية إلى اللغة العربية لا يُعد انتقاصًا منها، بل هو في كثير من الأحيان استعادة لأصول فرعونية قديمة، بما يعني أن ذلك يمثل إضافة للغة المصرية القديمة داخل نسيج العربية المعاصرة.
واختتم حديثه بالتأكيد على عمق الانتماء الوطني، قائلًا: «لو لم أكن مصريًا، لتمنيت أن أكون مصريًا»، فيما اختتمت الجلسة بكلمة شكر من رئيس جامعة القاهرة لجميع المشاركين والحضور، مثمنًا دور أحمد لطفي السيد بوصفه أحد أعمدة الفكر والنهضة في مصر.