الثلاثاء 20 يناير 2026 الموافق 01 شعبان 1447
رئيس التحرير
حازم عادل
تحقيقات وتقارير

معلومات الوزراء يتناول السيناريوهات المحتملة لظهور فقاعة الذكاء الاصطناعي

الثلاثاء 20/يناير/2026 - 10:46 ص
مركز المعلومات ودعم
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً تناول من خلاله مصطلح "فقاعة الذكاء الاصطناعي"، والذي يستعرض المنظور التاريخي للفقاعات الاستثمارية الكبرى التي شهدها الاقتصاد العالمي، مع تحليل الأبعاد الاقتصادية الراهنة لقطاع الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات وسوق العمل، إضافة إلى تسليط الضوء على الآثار البيئية المترتبة على هذا التوسع التكنولوجي، وانعكاساته المحتملة على الدول النامية، مع طرح عدد من السيناريوهات المستقبلية التي قد تحدد مآلات "فقاعة الذكاء الاصطناعي" خلال السنوات القادمة.

 

أشار التحليل إلى أن العالم يشهد طفرة غير مسبوقة في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث "فقاعة الذكاء الاصطناعي" تشبه إلى حد كبير المراحل الأولى للفقاعات الاستثمارية المُختلفة. ورغم ما تحمله هذه الطفرة من زيادة الإنتاجية وتعزيز الابتكار، فإن العديد من الدراسات تحذر من أنها قد تحمل سمات الفقاعة الاستثمارية؛ حيث يتجاوز رأس المال العوائد الفعلية للتكنولوجيا. وتشير "فقاعة الذكاء الاصطناعي" إلى حالة تنمو فيها الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة مدفوعةً بالمضاربة والتفاؤل أكثر من العوائد الفعلية.

 

فعلى سبيل المثال، تقوم الشركات بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي عن طريق ضخ أموال طائلة في البنية التحتية، مثل مراكز البيانات وإنتاج أشباه الموصلات، ومن المتوقع أن تتجاوز هذه النفقات العوائد المادية الحالية لتقنية الذكاء الاصطناعي.

 

كما أشار التحليل إلى تكرار ظاهرة "الفقاعات الاستثمارية" بصور مختلفة عبر التاريخ الاقتصادي، بدءً من فقاعة سوق الأسهم في عشرينيات القرن الماضي التي كانت أحد مسببات الكساد الكبير عام 1929، مرورًا بفقاعة الدوت كوم - فقاعة الدوت كوم كانت فقاعة مالية حدثت بين عامي 1995 و2001، نتيجة الارتفاع المبالغ فيه في تقييم شركات الإنترنت الناشئة التي أُطلق عليها “شركات الدوت كوم”، وخلال تلك الفترة، اندفع المستثمرون لضخ أموال ضخمة في الشركات التي تعتمد على الإنترنت، رغم أن معظمها لم يكن يحقق أرباحًا فعلية، بل كانت تقوم على الوعود بالنمو المستقبلي، حيث أدى هذا التفاؤل المفرط إلى تضخم أسعار أسهم التكنولوجيا. وانهارت آلاف الشركات، ونتج عن ذلك تحقيق خسائر كبيرة للمستثمرين نتيجة هذا التفاؤل المبالغ فيه تجاه انتشار الإنترنت والثورة في قطاع الاتصالات، لتُصبح الفقاعة مثالًا كلاسيكيًا على مخاطر المضاربة غير العقلانية في الأسواق المالية في مطلع الألفية، ثم أزمة الرهن العقاري العالمية عام 2008. وعلى الرغم من اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في المبالغة في التقييمات، وتدفّق رؤوس الأموال بشكل يفوق القيمة الحقيقية للأصول، ثم الانفجار المفاجئ عندما يتبيّن أن العائد الفعلي لا يتناسب مع التوقعات.

 

واليوم يبدو أن قطاع الذكاء الاصطناعي يسير بخطى متسارعة على مسار يشبه ما حدث إبان فقاعة “دوت كوم”، حيث تتصاعد موجة من التفاؤل المفرط في الأسواق، مدفوعة بآمال واسعة حول قدرته على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

 

وقد ارتفعت تقييمات الشركات العاملة في هذا المجال واستثمارات رأس المال المغامر إلى مستويات تُنذر بتجاوز الأسس الواقعية للقيمة والإنتاجية. ومع استمرار هذا الزخم دون أن يقابله تحقيق مردود فعلي في الأرباح أو تحسّن ملموس في الإنتاجية، فإن احتمالات حدوث تصحيح حاد في الأسواق تبدو قائمة، بما يعيد تذكير العالم بالدروس القاسية التي خلّفتها فقاعة التكنولوجيا في مطلع الألفية الجديدة.

 

تناول التحليل البُعد الاقتصادي وانعكاساته المحتملة والتي شملت:

 

-اتجاهات الاستثمار: حيث شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق في حجم الاستثمارات الموجّهة إلى شركات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، من قِبل المؤسسات المالية. وقد تسارعت وتيرة التمويل منذ عام 2022 مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، ما أدى إلى تدفق مليارات الدولارات نحو هذا القطاع. وتتصدر شركات مثل: NVIDIA وOpenAI وGoogle وMicrosoft المشهد العالمي؛ حيث تضاعفت قيمها السوقية بشكل ملحوظ نتيجة لتزايد الطلب على خدمات الحوسبة عالية الأداء والمعالجات المتخصصة في تدريب النماذج الذكية. فعلى سبيل المثال، ارتفعت القيمة السوقية لشركة NVIDIA إلى مستويات قياسية بعد أن أصبحت المزود الرئيس للرقائق الإلكترونية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي، ووفقًا لتقرير Stanford HAI لعام 2025، بلغ حجم الاستثمارات المؤسسية العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو 252 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مسجلًا نموًا سنويًا يقدّر بنحو 26%، مقارنة بعام 2023. إلا أن العديد من الخبراء يحذرون من أن هذا الارتفاع السريع في التمويل قد لا يتناسب مع العوائد الاقتصادية الفعلية، مما يثير مخاوف من احتمالية حدوث فقاعة استثمارية جديدة شبيهة بفقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.

 

كما يُظهِر تحليل البيانات المتعلقة بتكرار استخدام مصطلحات "فقاعة الذكاء الاصطناعي" و"انهيار الذكاء الاصطناعي" و"تصحيح مسار الذكاء الاصطناعي" بين عامي 2023 و2025، أن الخطاب العام حول الذكاء الاصطناعي مرّ بثلاث مراحل رئيسة، بدأت بمرحلة من التفاؤل المفرط، تلتها فترة من التقييم الحذر، وصولًا إلى ذروة القلق في مطلع عام 2025، عندما بلغت الإشارات إلى "تصحيح مسار الذكاء الاصطناعي" مستويات قياسية، ما يعكس مخاوف حقيقية من مبالغة في التقييمات السوقية. ورغم تراجع هذه المخاوف لاحقًا، فإن استمرار ذكر هذه المصطلحات بمعدلات مرتفعة يدل على بقاء حالة من عدم اليقين بشأن استدامة الطفرة الحالية في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

-البعد البيئي لاستهلاك الطاقة في الذكاء الاصطناعي: حيث يُعد البعد البيئي من أكثر الجوانب التي يغفلها الخطاب العام حول الذكاء الاصطناعي، رغم أنه أصبح أحد التحديات الرئيسة في استدامة هذا القطاع، فالتطور السريع في برامج الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وGemini وClaude، يعتمد على مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى طاقة كهربائية هائلة لتشغيل البرامج وتبريدها. وتثير هذه الأرقام تساؤلات جوهرية حول مدى توافق طفرة الذكاء الاصطناعي مع أهداف التنمية المستدامة والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر؛ فبينما تتجه العديد من الدول إلى تقليص الانبعاثات الكربونية، تأتي موجة الذكاء الاصطناعي لتضيف ضغطًا وعبئًا جديدًا على شبكات الطاقة، خصوصًا في الدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري كمصدر رئيس للطاقة.

 

وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الدول مثل دول الاتحاد الأوروبي في دراسة إطار تنظيمي بيئي خاص لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يهدف إلى الحد من استهلاك الطاقة في عمليات التدريب والتشغيل. كما بدأت شركات التكنولوجيا العملاقة في تبني استراتيجيات “الذكاء الاصطناعي الأخضر”، من خلال استخدام مصادر الطاقة المتجددة أو تحسين كفاءة الخوارزميات لتقليل استهلاكها للطاقة. ورغم هذه الجهود، يبقى السؤال المطروح: هل يمكن استمرار توسع الذكاء الاصطناعي بوتيرته الحالية دون أن يتحول إلى عبء بيئي جديد؟ إن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي في المستقبل إلى بروز شكل جديد من “الفقاعة الخضراء” التي تجمع بين الإفراط في التفاؤل التكنولوجي والتقصير في تقييم التكلفة البيئية الحقيقية.

 

-الانعكاسات على سوق العمل والتحولات في هيكل الإنتاج: من المتوقع أن تكون سوق العمل من أكثر القطاعات تأثرًا في حال انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي. فعلى المدى القصير، قد تؤدي الاستثمارات المكثفة إلى خلق وظائف جديدة في مجالات البرمجة وتحليل البيانات وتطوير الخوارزميات. غير أن المدى الطويل يحمل مخاطر فقدان وظائف تقليدية في قطاعات مثل: الخدمات المالية، والتعليم، والنقل، نتيجة الأتمتة المتزايدة. وقد يؤدي هذا التحول إلى اتساع فجوة الدخل وعدم المساواة بين الأفراد القادرين على التعامل مع التقنيات الحديثة والذين يفتقرون إلى المهارات الرقمية. ويتطلب التعامل مع هذه التغيرات تبني سياسات تعليمية وتدريبية جديدة تُركّز على تنمية المهارات الرقمية والإبداعية، لتجنب تحوّل ثورة الذكاء الاصطناعي إلى أزمة بطالة هيكلية.

 

أوضح التحليل أن تداعيات فقاعة الذكاء الاصطناعي تتجاوز الحدود الجغرافية، إذ تمتد تأثيراتها إلى الاقتصادات النامية. فمن جهة، يمكن لهذه الطفرة أن تخلق فرصًا غير مسبوقة للدول النامية لتسريع التحول الرقمي وجذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات الحوسبة السحابية وتحليل البيانات. كما يمكن أن تسهم في تعزيز القدرة التنافسية إذا تم الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والتعليم التقني. إلا أن هناك جانبًا آخر أكثر حذرًا، يتمثل في احتمالية تأثر الاقتصادات النامية بتقلبات السوق العالمية، خاصة تلك التي تعتمد على تدفقات رؤوس الأموال الخارجية. فإذا انفجرت الفقاعة، قد تتراجع الاستثمارات في المشروعات التكنولوجية الناشئة، مما يؤدي إلى تباطؤ في وتيرة التحول الرقمي وتراجع الثقة في التكنولوجيا كمحرك للنمو.

 

أشار التحليل في ختامه إلى إن فقاعة الذكاء الاصطناعي تمثل ظاهرة معقدة تجمع بين الابتكار التكنولوجي الحقيقي والتضخم المالي المبالغ فيه؛ حيث تتداخل الطموحات الاقتصادية مع التحديات البيئية والاجتماعية. ومن ثم، يمكن توقع مستقبل ظاهرة "فقاعة الذكاء الاصطناعي" في إطار سيناريوهين رئيسين:

 

- السيناريو الأول (تصحيح السوق): في حال كانت الفقاعة حقيقية، فقد تشهد الأسواق مرحلة تصحيح حاد في الأسعار، مشابهة لما حدث بعد فقاعة الإنترنت عام 2000، مما يؤدي إلى خروج عدد من الشركات الصغيرة والناشئة من السوق.

 

- السيناريو الثاني (التكيف والاستدامة): أما إذا كانت الارتفاعات الحالية تعكس تحولًا بنيويًا حقيقيًا في الاقتصاد الرقمي، فقد نشهد نماذج أعمال أكثر استقرارًا تُوظّف الذكاء الاصطناعي بصورة منتجة ومستدامة، مما يعزز الكفاءة ويخفض التكاليف في قطاعات متعددة؛ مثل التعليم، والصحة، والخدمات المالية.

 

وفي كلتا الحالتين، يبقى من الضروري تبني سياسات استثمارية أكثر حذرًا وتدرجًا، توازن بين دعم الابتكار وضمان الاستدامة المالية والبيئية في آن واحد. كما ينبغي للحكومات، خاصة في الدول النامية، التركيز على بناء القدرات البشرية والتقنية. وفي هذا الإطار، يُعد تطوير أطر تنظيمية وتشريعية واضحة للذكاء الاصطناعي خطوة أساسية لتفادي آثار الفقاعات الاقتصادية المستقبلية وضمان توجيه التقنيات نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.