أستاذ بالأزهر يوضح دلالات قوله تعالى: «وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ»
قال الدكتور محمد فيصل، الأستاذ بجامعة الأزهر، إن قوله تعالى: «وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ» يحمل دلالات لغوية وشرعية دقيقة، تكشف عمق التعبير القرآني في توصيف حال من يعرض عن ملة إبراهيم عليه السلام، موضحًا أن كلمة «مَن» في الآية جاءت موصولة بمعنى «الذي»، ليكون المعنى: لا يرغب عن ملة إبراهيم أحد في الحقيقة إلا الذي سفه نفسه، أي السفيه.
وأوضح خلال حلقة برنامج "لغة القرآن"، المذاع على قناة الناس، اليوم الخميس، أن السفه في اللغة معناه الخفة، والمقصود بها خفة العقل، مؤكدًا أن السفه لا يعني الجنون، فهناك فرق واضح بين السفيه والمجنون؛ فالسفيه عقله موجود لكنه خفيف أو غير ناضج في تقدير الأمور، كما وصف القرآن الصبي غير القادر على تدبير ماله بالسفيه، بينما الجنون هو ذهاب العقل بالكلية، وهو مأخوذ من معنى الستر والتغطية، أي ستر العقل تمامًا.
وبيّن أن العلماء توقفوا عند قوله تعالى «سفه نفسه» واختلفوا في إعرابها، لأن اختلاف الإعراب يؤدي إلى اختلاف الدلالة، فمنهم من قال إن «سفه» تضمنت معنى فعل آخر هو «أهلك»، فيكون المعنى: لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا رجل أهلك نفسه، لأنه خالف الشريعة التي دعا إليها إبراهيم عليه السلام مع علمه بأنها حق، فكان في مخالفته إهلاك لنفسه واستحقاق للعذاب.
وأشار إلى أن فريقًا آخر من العلماء قال إن المعنى هو: من جهل نفسه، أي جهل حقيقتها، لأن النفس بطبيعتها تميل إلى المخالفة واللذة والانحراف عن التكليف، ولا بد من مجاهدتها ومعرفتها حتى يقودها الإنسان إلى طاعة الله، فمن جهل نفسه انساق وراءها فهلك.
وتناول الدكتور محمد فيصل رأيًا نحويًا آخر يرى أن «نفسه» جاءت على التمييز، وأصل العبارة «سفه نفسًا»، ثم أضيفت إلى الضمير، وهو رأي منسوب إلى الفراء من كبار علماء التفسير والنحو من المدرسة الكوفية، موضحًا أن دلالة التمييز هنا أبلغ؛ لأنها تجعل السفاهة وصفًا شاملًا للنفس كلها، لا صفة جزئية أو عارضة.
وأكد أن هذا المعنى يفيد أن من يرغب عن ملة إبراهيم لا يكون سفيهًا في جانب واحد فقط، بل تتصف نفسه كلها بالسفه؛ خفة في العقل، وخفة في القلب، وخفة في البحث عن الحقيقة، ولو بحث عنها بصدق لوصل إليها، لأن نور العقل في القلب يهدي إلى التمييز بين الحق والباطل.
وأكد على أن الآية الكريمة تحمل تعجبًا ضمنيًا من حال من يعظّم إبراهيم عليه السلام، ثم يكفر بالنبي الذي دعا به إبراهيم نفسه، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب القرآني البليغ يجمع بين قوة الحجة وعمق المعنى، ويكشف تناقض هذا الموقف بأدق تعبير.





